النويري
251
نهاية الأرب في فنون الأدب
يكون من أهل الاجتهاد ، ولم يجز أن يفتى ولا أن يقضى . فان قلَّد القضاء فحكم بصواب أو خطأ كان تقليده باطلا ، وحكمه وإن وافق الصواب مردودا ، وتوجّه الحرج عليه وعلى من قلَّده . وجوّز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد ، ويستفتى في أحكامه وقضاياه . هذا معنى ما قاله أقضى القضاة أبو الحسن على الماوردىّ . وقال الحسين الحليمىّ في كتابه المترجم ب « المنهاج » : وينبغي للإمام ألَّا يولَّى الحكم بين الناس إلا من جمع إلى العلم السكينة والتثبّت ، والى الفهم الصبر والحلم ، وكان عدلا أمينا نزها عن المطاعم الدنيّة ، ورعا عن المطامع الرديّة ؛ شديدا قويّا في ذات اللَّه ، متيقّظا متخوّفا من سخط اللَّه ؛ ليس بالنّكس الخوّار فلا يهاب ، ولا المتعظَّم الجبّار فلا ينتاب ؛ لكن وسطا خيارا . ولا يدع الإمام مع ذلك أن يديم الفحص عن سيرته ، والتعرّف بحالته وطريقته ؛ ويقابل منه ما يجب تغييره بعاجل التغيير ، وما يجب تقريره بأحسن التقرير ؛ ويرزقه من بيت المال - إن لم يجد من يعمل بغير رزق - ما يعلم أنه يكفيه ؛ ولا يقصّر به عن كفايته ، فيتطَّلع إلى أموال الناس ويشتغل عن أمورهم بطرف من الاكتساب يجبر به ما نقصه الإمام من كفايته ، فتختلّ بذلك القواعد . وإذا رزق [ الإمام ] القاضي فلا يصيب وراء ذلك من رعيّته شيئا ، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم : « من استعملناه على عمل من أعمالنا ورزقناه شيئا فما أصاب بعد ذلك - أو مما سوى ذلك - فهو سحت » . وإن أهدى إليه شئ ، لم يكن له قبوله . فإن كان للمهدى قبله خصومة فأهدى ليحكم له أو لئلَّا يحكم عليه ، فهذا هو الرّشوة ، وهو سحت . وقد لعن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الرّاشى والمرتشى والرائش ؛ وهو الذي يمشى بينهما . وإن أهدى اليه المحكوم له بعد الحكم تشكَّرا ، لا يقبله ؛ لأنّ ما فعل كان واجبا عليه .